ابن الزبير الأندلسي وكتابه ملاك التأويل
ملخص موجز لرسالة الدكتوراة 1998م
ملخص موجز لرسالة الدكتوراة 1998م
( ابن الزبير الأندلسي ومنهجه في ملاك التأويل)
د/ياسر الصعيد ي
ولد أحمد بن إبراهيم بن الزبير في مدينة ( جِيَّان ) من أعمال غرناطة بالأندلس ، وكان مولده في شهر ذي القعدة أواخر سنة 627هـ، وقيل سنة 628هـ؛ حيث كانت ( جيان ) إحدى القواعد الإسلامية.
وأجمعت المصادر على أصله وحسبه، فقد نشأ في أسرة ميسورة الحال مشجعة للعلم والعلماء، فأبوه إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم الثقفي (ت: بعد 643هـ) كان واحدا من مشجعي العلم والعلماء باذلا ماله في سبيل ذلك؛ يقول ابن الخطيب: ( ولأبيه إذ ذاك إثراء وجدة أعانته على إرفاد من أحوجته الأزمة في ذلك الزمان من جالية العلماء عن قرطبة وإشبيلية)
( وابن عمه محمد بن الحسن بن الزبير الثقفي (ت:663هـ)، كان خطيبا في مسجد القصبة بمالقة في فترة محمد بن يوسف بن هود سنة 634هـ)، ثم شغل منصب الشروط[كتابة الوثائق والعقود]، وكان خبيرا، عالما بالقراءات والحديث، ودرَّس اللغة والأدب.)
عاش ابن الزبير ما يقرب من ستة عشر عاما من حياته في (جيان) قبل استيلاء النصارى عليها عام 643هـ، حيث توجه إلى مع أسرته المكونة منه ومن أبيه وأمه التي حملت في بطنها أخاه عبد الله الذي ولد فور وصولهم غرناطة؛ يقول ابن الزبير عند ترجمته لأخيه هذا : ( يكنى أبا محمد، ولد بغرناطة لسبع عشرة خلت من ذي القعدة سنة 643هـ بعد خروجنا من بلدنا (جيان) بستة عشر، فنشأ بها.)
وجدير بالذكر أن المصادر كلها لم تشر إلى حياة ابن الزبير في جيان، كما لم تشر إلى طريقة تعليمه فيها، على الرغم من أنه أمضى مرحلتين من حياته التعليمية هناك، وأرجح أنه تلقى في جيان تعليما خاصا نظرا لحب أبيه وأسرته للعلم والعلماء، ومن الراجح كذلك أنه حفظ القرآن الكريم وجوده، وتعلم القراءة والكتابة والخط، وأخذ شيئا من علوم التفسير والفقه والحديث، وشيئا من العلوم الإنسانية، وذلك على عادة أهل الأندلس في تعليم أبنائهم. ( ولعله كان يشهد بعض الحلقات في الجامع الأعظم بجيان، وهو يشير إلى شيء من هذا عندما يقول في ترجمة عيسى بن على بن واصل: " قد أدركته ببلدنا وتعرفت على أحواله، وتوفي
وتبدأ مسيرة ابن الزبير العلمية غداة وصول أهله إلى غرناطة، التي لجأ إليها عدد من علماء المدن الضائعة، فأخذ ينهل من مناهل العلم المختلفة، ورحل في سبيل ذلك إلى سبتة سنة 645هـ، وسلا بالمغرب، وإلى مرسية، والمرية، لورقة، والجزيرة الخضراء، وكان لمالقة الحظ الأوفر من رحلاته؛ حيث أمضى بها أكثر من ثلاثة أعوام، وتردد إليها بعد رجوعه إلى غرناطة.
وأعتقد أن ابن الزبير لم تكن له رحلات للمشرق، فلم يأت في ثنايا المصادر أي ذكر لذلك، وهذا ما يؤكده ابن عبد الملك المراكشي عندما ذكر في ترجمته جملة من الأساتذة والعلماء المشارقة الذين أجازوا لابن الزبير دون أن يلقاهم.
وهذا لا يقلل من علم ابن الزبير ولا من مكانته بين العلماء، فقد أخذ العلم عن جلة علماء المغرب والأندلس، واستجاز العديد من علماء المشرق فأجازوه، وربما حالت الظروف في هذه الفترة بينه وبين زيارة المشرق.
وقد أفادتنا المصادر ـ وخاصة كتابه صلة الصلة ـ أنه خلال هذه الفترة من تعليمه تلقى أنواعا مختلفة من العلوم، فسمع وقيد وحفظ وقرأ، فتكونت لديه ذخيرة هائلة من المعارف التي ظهرت فيما بعد في كتاباته ومؤلفاته.
فتذكر المصادر أنه تلا بالسبع على الشيخ أبي الوليد إسماعيل بن يحيى العطار(ت:668هـ)، وعلى أبي الحسن علي بن محمد الشاري(ت:649هـ).
كما سمع التيسير لأبي عمرو الداني من الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جوبر(ت: 655هـ) عن ابن أبي جمرة عن أبيه عن الداني بالإجازة، وهذا السند كما يقول ابن الجزري:( في غاية الحسن والعلو.)
وفي مجال الحديث: يذكر ابن الزبير أن أول من قصده في غرناطة في طلب الحديث الشيخ عبد الرحمن بن عبد المنعم المعروف بابن الفرس (ت:663هـ).
وأخذ صحيح مسلم مناولة عن الشيخ عبد الله بن أحمد بن عطية القيسي المالقي (ت:648هـ)، وسمع السنن الكبرى للنسائي من الشيخ أبي الحسن الشاري.
وفي مجال التفسير أخذ الكشاف للزمخشري عن القاضي ابن الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السكوتي(ت: 652هـ)، عن أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي، عن الزمخشري.
وفي مجال الفقه والأصول: صحب الشيخ عبد العظيم بن عبد الله البلوي المالقي(ت: 666هـ) مدة ثلاثة أعوام في مالقة، أخذ عنه خلالها جملة من مسائل المستصفى لأبي حامد الغزالي ، مما كان لأستاذه فيه اختيار أو مفهوم ما، كما قرأ عليه خلال هذه المدة أشياء من الأصول وغيرها.
وفي غرناطة أخذ طائفة أخرى من مسائل المستصفى عن الشيخ عبد الله بن أبي عامر المعروف بابن ربيع(ت:666هـ)، وأكثر مسائل المستصفى عن الشيخ على بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي المعروف بابن الضائع (ت:680هـ).
كما أخذ بعض شيء من العربية وأصول الفقه عن الشيخ محمد بن يحيى العبدري المعروف بالصدفي(ت: 651هـ)
وفي مجال العلوم اللغوية: أخذ عن ابن الضائع المذكور كتاب سيبويه كله في عدة سنين، كما أخذ عنه أكثر كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وجمل الزجاجي.
وقرأ طائفة من إيضاح الفارسي على الشيخ علي بن محمد بن عبد الرحمن (ت: 680هـ)
وفي مجال التاريخ والرواية: تتلمذ على يد أستاذين مشهورين في مجال الرواية والنقل:
أولهما: الشيخ أبو العباس أحمد بن يوسف المعروف بابنفرتون السلمي(ت:660هـ)، فكثيرا ما نقل عنه في صلة الصلة، ونقد بعض تراجمه؛ فمثلا عند حديثه عن مجاهد بن محمد بن مجاهد (ت:585هـ) يقول: ( ذكره الشيخ في الذيل عن حفيده صهيب[أي حفيد ابن مجاهد المذكور]، وعن أبي القاسم، إلا أن الشيخ ذكر أن مجاهدا هذا يحمل مع ابن عزلون عن أبي الغساني ، وذلك وهم، وأرى مجاهدا لم يدرك الغساني بمولده بوجه.) ،كما يقول عند ترجمته لعلي بن عبد الله بن ثابت الخزرجي(ت: 539هـ): (وذكره الشيخ في الذيل، ووهم في اسم أبيه؛ فأثبته فيمن اسمه ثابت.)
وثانيهما : الراوية الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن حوط الله الأنصاري(ت: 667هـ)، يذكره ابن الزبير في صلته قائلا: ( وكان
وابن الزبير مالكي المذهب، عده ابن فرحون أحد أعيان المذهب المالكي، وترجم له في الديباج ترجمة وافية، ومثله فعل ابن مخلوف في شجرة النور الزكية، ولا يذكر مصدر أعيان المذهب المالكي إلا وذكر ابن الزبير كواحد من مشاهير الفقهاء المالكيين، وإن كان لم يشتهر بالتأليف في الفقه.
أما عن عقيدته الفكرية فهو سني من أهل السنة والجماعة، وإن كانت المصادر لم تنص على ذلك صراحة فإنها أشارت إلى تصديه لمحاربة البدع والأهواء، وملازمته للسنة، ومعاناته في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأليفه في ذلك كتابه:"ردع الجاهل"، ونظمه أرجوزة في الرد على الشوذية.
وفـاتـه :
اتفقت أكثر المصادر على أن ابن الزبير توفي يوم الثلاثاء الثامن من ربيع الأول سنة 708هـ بغرناطة، ودفن بها، عن إحدى وثمانين عاما، وذكر ابن حجر أن وفاته كانت في رمضان سنة سبع أو ثمان وسبعمائة.
مـؤلفـاتـه:
نال ابن الزبير شهرة واسعة في مجال علوم اللغة والدين والتاريخ، فقصده الطلاب للأخذ عنه من كل البقاع، وكان له في بعض هذه العلوم مؤلفات متنوعة بتنوع معارفه؛ ولم يصلنا من تلك المؤلفات إلا القليل، وقد حفظت لنا كتب الطبقات وقوائم المكتبات أسماء مجموعة من مؤلفاته، منها:
1- الإعلام بمن ختم به القطر الأندلس من الأعلام.
2- إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل.
3- برنامج رواياتـه.
4- البرهان في ترتيب سور القرآن :
5- تعليق على كتاب سيبويه.
6- ردع الجاهل عن اعتساف المجاهل في الرد على الشوذية وإبداء غوائلها الخفية.
7- الزمان والمكان، أو:"كتاب تعيين الأوان والمكان للنصر الموعود به في آخر الزمان مستقرا من صحيح السنة ومحكم القرآن".
8- سبيـل الرشـاد إلى فضل الجـهاد.
9- شرح الإشـارة للبـاجي.
10- صـلة الصـلة ، أو"تاريخ أعـلام الأندلـس".
11- فهرسـته، أو"معـجم شـيوخه".
12- نـزهة البصـائر والأبصار.
وأخيرا - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل:
ذكرته معظم المصادر بهذا الاسم، ويعتقد أنه من آخر ما ألف ابن الزبير.
وتوجد منه عدة نسخ خطية بالقاهرة والمدينة وتونس والرباط والأسكوريال، وحقق مرتين:
الأولى: في مصر تحقيق الدكتور محمود كامل أحمد سنة 1979م، في رسالة نال بها درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، تحت عنوان: "المتشابه في القرآن مع تحقيق كتاب ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل لابن الزبير الثقفي الأندلسي الغرناطي"،ويوجد منها نسخة بالمكتبة المركزية بجامعة عين شمس، وقد طبع التحقيق، وحصلت على نسخة من الرسالة ونسخة من التحقيق.
الثانية : تحقيق الدكتور سعيد الفلاح بتونس، وهو رسالة حصل بها على درجة الدكتوراه من كلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس، وقد طبع هذا التحقيق بدار الغرب الإسلامي بيروت سنة 1983م، وحصلت على نسخة من التحقيق اعتمدت عليها في دراستي لمنهج ابن الزبير نظرا لأنها متأخرة عن تحقيق محمود كامل، وإن كان الفرق بين التحقيقين ضئيلا جدا، ولكن امتاز التحقيق الثاني بالفهارس التوضيحية التي سهلت علي الكثير.
أ- موضوع الكتاب والغاية من تأليفه :
حصر ابن الزبير موضوع كتابه في توجيه المتشابه اللفظيّ، فنصَّ على ذلك في عنوانه؛ حيث سمَّاه:"ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل"، وأشار إلي ذلك في مقدمة الكتاب؛ فقد رأى ابن الزبير أن توجيه ما تكرر من آيات القرآن وألفاظه، أو اختلف بالتقديم أو بالتأخير، أو بالزيادة في التعبير، وهو ما يسمى بتوجيه المتشابه اللفظي، رأى في توجيهه كشف النقاب عن منظوم القرآن الجليل، وإعجازه الباهر، وعدَّ ذلك العمل خدمة جليلة لعلوم القرآن، لا تقل أهميَّة عن معرفة أسباب نزوله، أو معرفة ناسخه ومنسوخه، أو مكيِّه ومدنيِّه، أو غيرها من علوم القرآن المختلفة.
ولم يخرج عما رسمه لنفسه وحدده، بل في أحيان كثيرة ـ في ثنايا الكتاب وأثناء توجيهه للمتشابه ـ يشير إلى الضرب الذي بنى عليه كتابه، وإذا خرج عن هذا الضرب نبه إلى ذلك في موضعه، وهذا مما يحسب له.
ب ـ طريقته في التوجيه، ومراحله :
حين يُتحدث عن أسلوب مؤلف أو كاتب في فن من الفنون العلمية أو الأدبية ، إنما يعنى بذلك بيان طريقته في إيصال هذا العلم أو الفن إلى الآخرين سواء كانوا طلبة علم، أو مثقفين، أو معنيين بهذا الفن.
وهذه الطريقة تختلف من فن إلى فن؛ ومن مؤلف إلى آخر، تبعا لاختلاف المادة العلمية واختلاف الموضوعات، فالأسلوب في المواد والموضوعات الأدبية يختلف عنه في مواد العلوم الطبيعية والاجتماعية. وتمكن المؤلف مـن مادته العلمية استيعابا وإحاطة بكلياتها وجزئياتها يؤثر على طريقة عرضه لهذه المادة.
كذلك اختلاف مدارك الفهم لدى المخاطبين تؤثر بالسلب أو الإيجاب على عملية عرض المادة العلمية ارتقاء أو تبسيطا، أو ما إلى ذلك؛ فمعيار نجاح الأسلوب يقاس بمدى التفاعل والأثر الذي يحدثـه المؤلف في نفسية القارئ، وعليه فإن فهم العمق النفسي للمخاطب أحد دعائم الأسلوب عند التأليف.
من هنا يمكن القول: إن الطريقة أو الأسلوب هو الوسيلة التي يتم بها إيصال المعلومات من المصنف إلى المتلقي سواء بالسماع أو القراءة. وهي تختلف عن المنهج؛ لأن المنهج هو الخطة العامة التي تقوم على المادة العلمية، والطريقة هي الأسلوب الذي ينقل به المؤلف ذلك المنهج.
وقد اتبع ابن الزبير أسلوبا علميا أكاديميا وطريقة واضحة سار عليها طيلة كتابه، ونبَّه القارئ إليها في مقدمته، وجدير بالذكر أن منهجية البحث في العصر الحديث تطلب من الباحث أن يقدم في مقدمة بحثه عرضا ملخصا للطريقة التي سيخوض بها غمار بحثه، وقد سبق الأولون إليها، ومنهم ابن الزبير.
وتتلخص هذه الطريقة فيما يلي:
استقرائه لمؤلفات السابقين في نفس الموضوع الذي يكتب فيه؛ ليكون على بينة من أمره فيما يقول،ولا يكرر ما سبق أن قيل، فيكون عمله جديدا فيما يقدمه، ليس تكرارا دون فائدة. وهذه قاعدة ثانية من قواعد البحث المعاصر.
استحسانه أحد مؤلفات السابقين، وتنبيهه إلى تقدمه وإمامته في هذا الفن، واقتدائه به؛ حيث يقول عن كتاب"درة التنزيل" للإسكافي: ( إلى أن ورد علي كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة، نفعه الله، سماه بكتاب"درة التنزيل وغرة التأويل"، قرع به مغلق هذا الباب، وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب، وعرف أنه باب لم يوجف عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه بحرف مما فيه، وصدق ـ
وهذا من أخلاق العلماء؛ حيث يرجعون الفضل إلى أهله، فيعترفون بفضل سابقيهم، ولا ينكرون عليهم تقدمهم وإمامتهم لهم في فن من الفنون.
استدراكه على الإسكافي كثيرا مما أغفـله من متشـابه القرآن اللفظي، وإشارته إليه بحرف "غ"، وتنبيهه القارئ إلى ذلك في المقدمة.
وبالنظر إلي جملة ما استدركه ابن الزبير على الإسكافي يوجد أنه أكثر من مائة آية، مضافا إلى ذلك عدد من الآيات في نطاق سرد الآيات المتشابهات. وهذا يدل على أنه كان أكثر استقراءً وتحريا في تتبعه لمتشابه القرآن اللفظي من الإسكافي، وإن كان الثاني له فضل السبق في التأليف.
وتجب الإشارة إلى أن ابن الزبير تجاوز عن مجموعة من السور تبلغ ثلاثا وثلاثين سورة لم يبن ما فيها من المتشابه، ولم يكن هذا تقصيرا أو إغفالا، وإنما لأنه عالج مثيل هـذه المتشابهات في أماكن أخرى، فأغنى ذلك عن إعادتها تجنبا للتكرار، أو لأنه ليس فيها من المتشابه شئ.
وقد أخذ ابن الزبير على نفسه أول كتابه أن لا يقف على شئ مما قاله الخطيب الإسكافي في نفس الآية التي يوجهها إلا بعد أن يفرغ هو من توجيهها، معتمدا على إلهام الله تعالى له، وعلى ما أُوتيه من تبحر في علوم القرآن واللغة والبلاغة والتفسير والفقه والحديث وغيرها.
ولعل ذلك يرجع إلى خوفه من أن تحجب آراء الإسكافي اجتهاداته الشخصية، أو ركونه إليها واعتماده عليها فيفقد إبداعاته، وتسترخي طاقاته، اكتفاء بما قاله الإسكافي أو استنبطه، فيصير أسير آرائه واستنباطاته.
وهذه قاعدة أخرى من قواعد البحث المعاصر؛ التي تطلب من الباحث أن لا يكون أسير أفكار الآخرين، وأن يحرر فكره تماما قبل كتابة بحثه؛ ليخرج البحث من بنات أفكاره معبرا عن آرائه.
ولعل نفس السبب هو الذي دفع ابن الزبير إلى تنبيه القارئ أنه لن ينقل شيئا مما قاله أصحاب المعاني إلا في الشاذ النادر، وإذا نقل كلام أحـد منهم أو من غيرهم نسبه إليه.
راعى ابن الزبير في تتبعه كل ما تكرر من آيات القرآن أو اشتبه ترتيب التلاوة المتفق عليها سورة سورة ، وآية آية؛ فهو يورد ذكر السورة ثم يتناول ما فيها من آيات متشابهات؛ فمثلا يقول: سورة كذا ... الآية الأولى منها، ثم إذا انتقل إلى غيرها قال: "الآية الثانية منها"، وهكذا إلى آخر الآيات المتشابهات في السورة.
فإذا انتقل إلى سورة أخرى ذكر اسمها، واتبع فيها نفس الطريقة، وإذا كانت السورة التي يتناولها لا تحتوي إلا على آية واحدة ذكر اسم السورة ثـم قال: "قوله تعالى كذا"، وأحيانا يدمج السورتين معا إذا كانت الأولى لا تحتوي إلا على آية واحدة تتشابه مع الآية الأولى من التي تليها، وإذا خلت السورة من الآيات المتشابهات أغفل ذكرها؛ مثل السور الممتدة من أول سورة البروج حتى آخر سورة الفجر، ومن أول سورة الشمس حتى آخر سورة الضحى، ومن أول سورة القدر حتى آخر سورة القارعة، ومن أول سورة العصر حتى آخر سورة الكوثر، وبعض السور المتفرقات، كسورة التين، وسورة النصر ، وسورة المسد.
ومما يُؤخذ على ابن الزبير أنه إذا تناول آية من سورة ما مع آية أخرى سبقتها اكتفى بالإشارة إلى أنها سبق تناول ما فيها من متشابه دون ذكر مكان تناولها، أو ذكر اسم الآية التي تشابهت معها.
بل نجده أحيانا ينص على اسم السورة مكتفيا بالإشارة إلى أنه سبق أن تناول ما فيها ، دون تحديد أي آياتها وقع فيه المتشابه.
وبالنسبة لطريقته في توجيه الآيات فإنه يذكر الآية الأم في السورة التي هو بصددها، ثم يلحقها بما شابهها من الآيات من نفس السورة أو من غيرها.
وانتهج في توجيهاته نهج البسط والتوسع ؛ فقد يستغرق الحديث عن الآية الواحدة عددا من الصفحات، كما فعل في الآيتين الحادية عشرة والثامنة والأربعين من سـورة آل عمران؛ حيث ساق في كل واحدة أكثر من خمس صفحات، وفي مواضع أخرى كثيرة.
بل إنه قد يستغرق في بيان الكلمة الواحدة أو الحرف بضع صفحات؛ وعادة ما يبدأ في توجيه الآية بفرض بعض الأسئلة؛ لتنبيه القارئ، وبيان المواطن التي سيعالجها منها، ثم يشرع في الإجابة عنها واحدا تلو الآخر، وفي ثنايا الإجابة نفسها يفترض بعض المداخلات من القارئ، إما بالسؤال أو الاستفسار عن بعض ما يتعلق بجوابه، فيرد عليه آخذا القارئ من سؤال إلى سؤال، ومن جواب إلى آخر، حتى ينتهي به وقد بين له كل ما يتعلق بالآية التي يوجهها، كل ذلك دون أن يمل منه القارئ، ودون أن يخرج به من إجابة إلى أخرى وهو غير مقتنع بشيء مما قاله، فهو يقنعه بأدلته القاطعة، وأسلوبه الجميل، وآرائه القيِّمة.
وبهذه الطريقة تعمق ابن الزبير في توجيه المتشابه وتأويله، وسد الثغرات أمام الملحدين والمعطلين، وأحاط بجوانب موضوعه إحاطة كاملة.
كذلك دأب ابن الزبير أن يصدِّر إجاباته أو يختمها بإحالة العلم إلى الله تعالى قائلا: (والله أعلم)، أو:(والله أعلم بما أراد)، ولعله بذلك يتبرأ مما قد يقع فيه من خطأِ التأويـل، واضـعا نصب عينيـه حديث رسول الله الذي يرويه الترمذي عن ابن عباس عـَنِ النَّبِيِّ قَال: ( اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار)
وكثيرا ما يعرب ابن الزبير عن براعته في علم من العلوم أثناء توجيهه للمتشابه، فيعقد فصلا تكميليا، أو تمهيدا لجواب، أو إيضاحا لقضية تعرض لها.
فكلما وجد أن الأمر يحتاج إلى زيادة بيان وإيضاح، ثم رأى أنه يخرج عن موضوع الكتاب، عقد له فصلا خاصا صدَّره بقوله: فصل، أو: تمهيد.
وتجدر الإشارة إلى أن ابن الزبير أحيانا يعرض للسؤال الواحد جوابين.
ويُأْخَذ على ابن الزبير أنه قد يحيل القارئ إلى مكان لاحق في كتابه يقول إنه سيزيد الأمر فيه بيانا في نفس القضية التي يتحدث فيها، ثم يذهب القارئ إلى نفس الموضع الذي حدده فلا يجد أي ذكر لما قاله.
ويكتفي ابن الزبير بإحالة القارئ إلى كتب التفسير، أو كتب علم الكلام، أو غيرها إذا وجد أن الموضوع الذي يتحدث فيه يحتاج إلي زيادة شرح، أو بيان يخرج عن موضوعه، مستغنيا بذلك عن الإطالة، ومتحاشيا لكسر القاعدة التي بنى عليها كتابه.
وفي أحيان قليلة يشذ ابن الزبير عن هذه القاعدة، فيخرج عن الموضوع مستطردا في شرح كلمة، أو توضيح قضية، أو شرح دليل قرآني، أو شاهد شعري، ثم يرى أنه قد يطول به ويخرجه عن موضوعه،فيستدرك أمره، ويرجع إلى توجيه الآيات.
وكثيرا ما يحيل ابن الزبير القارئ إلى كتابه"البرهان في ترتيب سور القرآن"، مصرحا باسمه تارة ، وأخرى بالإشارة إليه.
إلى جانب ذلك اعتنى ابن الزبير بمناقشة الآراء، والتعليق عليها، وشرح الأبيات الشعرية التي يستشهد بها، وبيان موقع الشاهد فيها.
هذا وبالله التوفيق ،،،
د / ياسر عطية الصعيدي
أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية المشارك
كلية الاداب - جامعة المنيا - مصر
2:35 PM
FakhrElSensei
0 comments:
Post a Comment